تمساحات وديناصورات !

يرنّ المنبه فوق رأسي معلنا عن افتتاحية يوم جامعي جديد ، أسترجيه أن يدعني أتم حلمي الفوشي ، فيسمح لي بغفوة ، …. ، ويرن ثانية ، خمس دقائق؟ لا تكفيني! ، أواهـ يا منبهي .. لو أن لك قلبا لأشفقت على حالي فأذنت لي بغفوة أخرى ، ألتفت إلى ساعتي المهترئة فأعزم (للمرة المائة) على شراء أخرى ، … ، لاااااااا! إنها التاسعة! ، أقفز عن سريري قاصدة خزانة ثيابي ، أحمر أصفر أخضر أسود ، يا للتردد اللعين!

وبعد مقاساة .. أخرج من غرفتي مؤتزرة ما قبح وستر أعلى المنكبين حتى أخمص الكعبين! ، معزية قلبي بأن الأخلاق هي الأهم!

 

أكابد في سبيل مقاومة الوسنات اللذيذة ، فأعثر في سيري مرات ، وفي كل مرة أردد :

ومن لم يذق مر التعلم ساعة ً ،

تجرع ذل الجهــــــل طول حياته ،

ومن فاته التعليـــم وقت شبابه ،

فكبّــــــــــــــر علي أربعا لوفاته!

 

أصل إلى جامعتي بسرعة ماراثونية ، أغني في سكة الوصول إلى مبنى (؟؟) :

واطلب العلم ولا تكسل فما … أبعد الخيرات عن أهل الكسل” ، أصل إلى ذاك المكان السحيق مستنزفة القوى والأنفاس ، أبصر طيف “شخصة” أعرفها ، فأبادر إلى مشاركتها الجلوس والشجن بلا حوار … أعبث بتقصفات شعري فألفها حول سبابتي وأشد وأشد وأشد حتى يسود وجهي ألماً!

يا للشاعريـــة!

 

تباغتني تلك الشخصة بخبطة غير حضارية على كتفي الواهن ، فأتوجع بصرخة داخلية غير مسموعة ، ألفّ جسدي نحوها وأبتسم بتبرم ، تسكن لدقائق ثم تقول بخبث مرئي : “تتحديني أبكي؟

أستعجب تفاهة خواطرها وهمجية لفتها للانتباه ، فأجيب مجاملة : هيا!

تستجيب بعجل ، فتطقطق أصابعها تأهبا للهيجاء ، تؤدي طقوسا غريبة ، أحصي منها : لف أرنبة الأنف حد الاحمرار باتحاد السبابة والإبهام ، ثم فرك العينين بظاهر الكفين ، وختاما بزم الشفتين باستعطاف ، لا تحتمل عيناها وطأة الموقف الملفق … فتدمـــع!

دموع مؤثرة … جافة … كاذبة … هي دمـــوع التمســـاحات!

 

تلتفت إلي بابتسامة ظفر  ، أدهش فاغرة فاهي بسذاجة ، تتذكر خطتها الشيطانية ، فتذرني وسط هالة الصدمة راكضة نحو مكتب “الدكتورة” ، تطرق الباب بوجل ، تستأذن فيؤذن لها ، تغلق الباب بصرامة بعد فتحه ، تمر بي نصف الساعة بين تكهنات وتوقعات ، أرقب الباب بمجهرية فيرتفع حاجبي الأيسر ، أغمض عيني لأستجلي بخيالي الصورة المعلقة على جدار جفني المعتم ، أقوم بتشغيل “البروجكتر الفسيولوجي” ، فأشاهد بوضوح : تماسيحاً تنتحب! ، وثعلباً يقعد على كرسي دوار … يضحك ويغني بنبرة شرية “علي أنا هذا الكلام؟!” ، أبتسم لمرح بروجكتري ، فأفتح عيني على مرأى الباب يفتح بترو ، تخرج أنثى التمساح حاملة بين يديها عدة الحرب (مناديل) وحصتها من الغنائم (ورقة) ، تمسح دمعها بينما تغلق الباب ، تتأكد من غلقه ، تركض إلي بحال مختلف عما كانت عليه حين غادرتني ، أبتسم بسخف لقهقهاتها المدوية ، تنتهي سلسلة الضحكات ، فتصرخ مبشرة : “جبتــــها!

ما الذي “جبتيه” بالتحديد يا قيصرة المكر؟!

تسخر من براءتي في سرها ، تجذب يدي الصغيرة إليها بعنف ، وتؤوبها إليّ مثقلة بغنيمة الحرب  ، لأدهش -بعد قراءتها- بجمل متفرقة لا يفقه معناها إلا دارس جيد للمادة ، -الحمد لله أني أذكر شيئا مما حفظته ليلة البارحة- ، هه! لقد خاب ظنك يا بروجكتري الطاهر فأمسى الثعلب الضاحك .. أرنبا ساذجا مرتعشا ، معقول؟ أتخدع أستاذة جامعية تحمل مئات الأوسمة وحصيلة سنوات مضنية من الدراسة بدموع الـ… تمساحات؟!

أسأل رفيقتي عن مقادير طهي الدموع ، فترد بثقة في غير محلها : يا حبيبتي هذه قدرات خاصة!

صدقت والله ، خاصة جدا!

لمَ تنهمر الدموع من مقلتي حين لا أجد حقيبة حاسوبي المحمول ، وأعتصر لإخراج دمعة واحدة حين أودع صديقة حميمة فلا ألقى تلك الدميعة ولا تلقاني؟

فأتهم أنا بالقسوة وتنعت التمساحة برهافة الشعور!

 

دموع التمساحات أو “التمساحون” !! … خطر جلل يهدد الإنسانية!

ثكلت معاني الدمعة وسط أحداق القساة ، حتى أضحى البكــاء ستاراً ، يبهم سواد أفئدتهم!

 

حتى لا أتهم -كالمعتاد- بالفرط في التشاؤم والسلبية ، أبشركم بأن الدموع الصادقة لم تتدنصر ، وبأن لي -في الجامعة- صديقات … بأرواح صافيات ودموع صادقات! 🙂

 

فهنيئاً لي بكن أيتها الديناصورات وجحيماً بي لكن أيتها التمساحات!

 

تقول أراك مبتسما تغني

وكم يحتاج مثلك للبكاء

وما تدري بأن بكاي صعب

وأكبر من دموعي كبريائي

(الشاعر كريم العراقي)

 

-مقال كتبته ونشرته في إحدى المجلات-

Advertisements

3 تعليقات to “تمساحات وديناصورات !”

  1. فـاطمـة ! Says:

    السلام عليكم /

    أولا :: أسلوبك جميل جدا ..

    ثانيــا :: مقـــال رائـــع جدا .. لطـــالمـا صادفت أمثال هذه التمساحة .. فقررت أن أستحجر قلبي امامهن ..

    ثـــالثا :: أحببتك وأحببت مدونتك يــا زينة السرطانات ::)

    لكِ كل الود ..

  2. نـــ/ــــص تفاحـــهـ Says:

    يعطيكـ الفين عآفيهـ

    آتذكر آني قريتـ هالمقآل في مجلة حيآهـ للفتيآتـ بس للآسفـ مآلقيتـــ المجلهـ عندي 😦

    آتمنى آن لآتخونني ذآكرتــــي ..

    يعطيكـ العآفيهـ

  3. زينة Says:

    فاطمة .
    شكراً لكِ .. سررت بنقدك .
    وسررت أكثر بمشاعرك الجميلة يا سرطانة 🙂

    نص تفاحة .
    الله يعافيك .
    صحّ عليكِ 🙂 .. ذاكرتك وفية !

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: